سميح عاطف الزين
292
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الوفير ، ويلدون فوق ذلك ما شاء اللّه من البنين والبنات ، الذين يصبحون بدورهم ، وبحكم الرق ، عبيدا وإماء ، يسلكون كما يسلك آباؤهم وأمهاتهم حياة الذلّ والشقاء ، مسخّرين بلا أجر ولا جزاء ، اللهم إلا رضاء السيد إن هم أحسنوا ، أو غضبه عليهم إن هم أساءوا . على أن لا تتعدى مكافأة الرضى أكثر من بسمة كبرياء عابرة ، أو كلمة عطف ساخرة يستنزف بها الأسياد جهدهم ، ويستنهضون بها قواهم . . وقد يبيعونهم حريتهم بالثمن الذي يفرضونه ، أو ربما يمنون عليهم بالعتق ، فيخرجون من ضيق العبودية إلى سعة الحرية ، ولكنهم يظلون على كل حال أسرى الولاء لأسيادهم حتى يموتوا . أما حالات الغضب التي كانوا يتعرضون لها ، فكانت تنزل بهم الويل والثبور ، وعظائم الأمور ، وضروبا من الإيذاء ، وألوانا من العذاب . تلك هي الصورة الحقيقية التي كان قائما عليها المجتمع في مكة عندما بعث اللّه تعالى محمدا نبيا ورسولا . وفي هذا المجتمع ، وفي ظل تلك الأوضاع كان على الدعوة الإسلامية أن تبدأ أولى خطوات مسيرتها . . ولكن ، طالما أنّ هذه الدعوة ما زالت مجرّد فكرة ، يتداول بها بعض الناس ، فلا سبب يدعو قريشا للقلق أو اتخاذ الموقف الذي يحدّد اتجاهها نحوها . . وهو ما شاءه ربّ العالمين ، أي أن يظل أهل الشرك على جهالتهم وعمايتهم ، حتى تتهيأ للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الأسباب والاستعدادات التي تمكن من إعلان الدعوة وطرح الأفكار الإسلامية على الناس في مكة أولا ، ومن ثمّ في أنحاء أخرى من جزيرة العرب .